شاء القدر أن تكون حدود مشروع «مستقبل مصر» ملاصقة لمشاريعي الزراعية على طريق مصر الإسكندرية الصحراوي، ولذلك كنت شاهدًا على هذا المشروع منذ لحظاته الأولى، يوم كانت هذه الأرض مجرد صحراء جرداء لا حياة فيها ولا ماء ولا زرع.
ورأيت بعيني كيف بدأت الدولة تخطّط وتنفذ واحدًا من أكبر مشروعات نقل المياه واستصلاح الأراضي في تاريخ مصر الحديث، حتى شاء القدر أيضًا أن تمر خطوط مواسير المياه العملاقة ومحطات الرفع الخاصة بالمشروع من داخل حدود مشروعي العقاري والزراعي.
ومن داخل أرضي، كنت أتابع المهندسين والفنيين والعاملين في المشروع، وأستمع إلى شروحات مهندسي الري الذين أكدوا أن ما يتم تنفيذه من محطات رفع وشبكات نقل مياه يُعد من أكبر وأحدث ما تم إنشاؤه في مصر على الإطلاق، بل إن بعضهم قال بالحرف:
“مشروع بالحجم والتكنولوجيا دي مصر ماعملتوش قبل كده”.
والحقيقة أن ما رأيته على الطبيعة يجعلني أشعر بالخجل إن التزمت الصمت أمام حملات التشويه والتقليل من هذا المشروع العملاق، لأن الإنصاف يقتضي أن نقول كلمة الحق مهما اختلفنا سياسيًا أو فكريًا.
لقد شاهدت بنفسي حجم العمل والإصرار والتنفيذ، وشاهدت محطات رفع المياه العملاقة، وشبكات التحكم الحديثة، وأنظمة الري والزراعة المتطورة التي تعتمد على التكنولوجيا والإدارة الذكية للمياه، وليس على الأساليب التقليدية القديمة.
وشاهدت أيضًا الأرض وهي تتحول تدريجيًا من صحراء قاحلة إلى مناطق إنتاج حقيقية تخرج منها المحاصيل، ويستمر فيها الاستصلاح والعمل ليلًا ونهارًا.
وأتذكر أنني طلبت ذات مرة شراء 100 فدان داخل المشروع لإقامة مشروع سكني واستثماري، فكان الرد حاسمًا وواضحًا:
“إحنا هنا مش بنبيع أراضي… إحنا بنبني مشروع عشان ناكل ملايين البشر”.
وقتها أدركت أن الفكرة الحقيقية للمشروع ليست السمسرة أو التجارة، وإنما بناء مشروع زراعي وإنتاجي ضخم يستهدف تحقيق الأمن الغذائي لمصر، وأن هناك إصرارًا حقيقيًا على الحفاظ على طبيعة المشروع وأهدافه الاستراتيجية.
هذا المشروع ليس مجرد مشروع زراعي عادي، بل هو مشروع أمن قومي وغذائي لمصر، لأنه يستهدف توسيع الرقعة الزراعية وتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي من القمح والمحاصيل الاستراتيجية، في وقت أصبحت فيه قضية الغذاء واحدة من أخطر قضايا العالم.
ولعل الأهم في مشروع الدلتا الجديدة أنه لا يقوم فقط على الزراعة، بل على فكرة بناء مجتمع إنتاجي حديث يعتمد على العلم والتكنولوجيا والبنية الأساسية المتطورة.
وأقولها بكل أمانة:
قد نختلف حول السياسة، لكن لا يجوز أن نهدم أي إنجاز حقيقي أو نقلل من قيمة رجال يعملون بإخلاص من أجل هذا الوطن.
تحية لكل يد شاركت في هذا المشروع،
وتحية لجهاز «مستقبل مصر» ولكل القائمين عليه،
وتحية خاصة للسيد بهاء الغنام على الرؤية والإدارة والإصرار على النجاح،
وتحية للرئيس عبد الفتاح السيسي الذي لم يكتفِ بدعم الفكرة فقط، بل تابعها وشجّع القائمين عليها، وأضاف لها من إرادته وإصراره حتى خرج هذا المشروع العملاق إلى النور، ثم رواه بالمياه بعد أن كانت الأرض صحراء جرداء، ليصبح واحدًا من أهم مشروعات الأمن الغذائي والتنمية الزراعية في تاريخ مصر الحديث.
وأثق أن التاريخ سيتوقف طويلًا أمام مشروع الدلتا الجديدة باعتباره واحدًا من أهم مشروعات التنمية الزراعية في تاريخ مصر الحديث.
medhatbarakat medhatbarakat